«التضهول»
«التضهول»
مقال بجريدة الكويتية
التضهول أو التظهول، لا أعرف أيهما أصح، لكنها مفردة كويتية تعني المبالغة في الشيء على طريقة «عمل من الحبة قبة»، أو على طريقة الراحلة مريم الغضبان الشهيرة في مسلسل حبابة «اللي ذبح بقة وترس سبع جدور».
المبالغة في إبراز جمال الشيء عموما قد تنتهي إلى فقدانه لجماله، ولكم في ضحايا عمليات التجميل والماكياج المبالغ فيه لدرجة إخفاء ملامح الوجه عبرة وعظة، كيف أن الشيء إن زاد عن حده ينقلب ضده.
والجمال بالجمال يذكر، أجبرت قبل أيام على مجاراة التقليعة الإنستغرامية بكتابة عشرين حقيقة عني، استعدت بها ذكريات الماضي والحاضر وأمنيات المستقبل، توقفت عند حقيقة أنني لم أدخل مرحلة رياض الأطفال، أو بالأحرى دخلت وطردت بسبب اعتدائي على مدرّسة بالضرب لأنها جميلة، أي والله، كنت بكر أمي وأبي، وأول حفيد في أسرتَي أمي وأبي، وكان ذلك بحد ذاته كافيا لإقناعي بأنه لا جميلة إلا أنا، حتى الدمى كان أبي ينتقيها دميمة كي لا أشعر بالغيرة منها، أي والله، كانت ألعابي إما لسمينات أو سود، ولم يخشوا علي من الخوف منها بقدر ما خشوا علي من الغيرة بدافع الحب، فكانت الصدمة الأولى لي في الروضة لم يساعدني أحد في تجاوزها قدر باربي التي شاهدتها خلسة في إعلان تلفزيوني وأصررت على اقتنائها.
المبالغة في الحب تؤذي المحب، مثل المبالغة في إبراز الجمال، ولا يخفى علينا أن ثمة حقيقة علمية أن الأكثر حظا من الجمال أقل حظا من الذكاء، ذلك أن قناعتهم بقبولهم الشكلي تدفعهم إلى إهمال باقي الجوانب، وهذه الحقيقة نفسها تنعكس على نتيجة خفة دم البدناء الذين يحاولون تعويض ثقل وزنهم بخفة دمهم.
والحب تحديدا يضع على عين المحب عدسة مكبرة تضخم الأشياء لدرجة تحتاج معها إلى تذكيره بالتحذير المكتوب على نوافذ السيارات: أن الأجسام الظاهرة في المرآة قد تبدو أكبر من حجمها الحقيقي قبل أن يصدم بالحجم الحقيقي، مثل صدمة الفنانة الراحلة ذكرى حين قالت: هذا أنت ما عرفتك، هذه أول مرة أشوفك بعيني كنت أشوفك بقلبي!
ومثل الحب الألم، عندما نستيقظ ذات صباح نشعر ببعض الألم في المفاصل سببه الممارسة الخاطئة لبعض أنواع الرياضة، أو حمل شيء ثقيل أو هو مجرد ألم بلا سبب، البعض يشعر أنها نهاية العالم، تدمع عيناه وهو يتناول المسكن لعدم قبوله حقيقة الضعف والعجز والمرض، دون أن يعي أو يدرك أن ثمة من خلق معاقا فتحول بطلا بفضل الإرادة، وبعيدا عن المبالغة في إظهار الألم لدرجة أقرب للاتجار به.
ومثل الألم، الفرح، النجاح، شعور البعض بأن مطارات العالم ستفتح قاعات كبار الضيوف له، وستفرش في طريق رحلته السجاد الأحمر في المغادرة والعودة، مستقبلا بالزهور لمجرد أن حسابه في إنستغرام تجاوز عشرة آلاف فولورز، أو قد يشعر بنهاية العالم لو كتب تغريدة ولم يرتوت له أحد، ما يدفع بالبعض لشراء متابعين ولايكات وريتويت، وأخيرا جماهير حقيقيين في المناسبات، وجميع ما سبق يصب في خانة واحدة هي التضهول أو التظهول التي حتى نهاية المقال أجهل كتابتها.
المشكلة في التضهول والمتضهول أنه يخدع نفسه بنفسه، أما الذين يحاول خداعهم فهم أكثر ناس يكشفونه ويعرفون حقيقته، لذا، من الضروري أن تعرف حجم نفسك جيدا، ولا مانع من تزيينها قليلا إذا لزم الأمر دون أن تخدع أحدا، وتذكر أنه من الممكن أن يخدعك كثيرون وهذا ليس عيباً فيك، لكن العيب، كل العيب أن تخدع نفسك بنفسك، وتكذب كذبة لا يصدقها أحد غيرك!